أسواق السّلع: من الذي صنّف السّلع الأساسية؟ (2)

أسواق السلع الأساسية هي الأسواق التي يتم فيها تبادل أو شراء وبيع المواد الخام والمنتجات الأولية التي يتم إنتاجها بكميات كبيرة والتي تستعمل بدورها في إنتاج سلع أخرى. تشمل هذه السلع الأساسية المواد الطبيعية، والمواد الغذائية والمنتجات الزراعية، كما أن أسعارها ليست ثابتة بل متغيرة حسب العرض والطلب في السوق.
يتم تصنيف هذه السلع عموماً في خمسة أصناف:

1. الطاقة
يعتبر سوق السّلع الطاقية أبسط من الأسواق الأخرى، خصوصا بالنسبة لمستثمر جديد في السوق. ولعل السلعة الأكثر تداولاً في هذه السوق هي البترول، حيث يتم شراؤه بالسعر الحالي لأجل بيعه حين يرتفع السعر.
2. المعادن الثمينة
من بين المعادن الثمينة الأكثر تداولاً في سوق السلع: الذهب، الفضة، البلاتين…إلخ. شراء وبيع هذه المعادن الثمينة يعتمد على التوقع الجيد لأسعارها التي تنخفض وترتفع بشكل كبير حسب أسعار هذه المعادن في السوق بشكل عام.
3. المواشي
يمكن للمستثمرين الذين يريدون التداول في سوق المواشي أن يشتروا المواشي مباشرة ويعيدوا بيعها لاحقاً، أو أن يوفروا فقط رأس المال لمن سيقومون بالتداول فيها مباشرة. وهذا ممكن أيضاً في الأسواق الأخرى.
4. الحبوب
يشمل سوق الحبوب القمح والذرة والأرز بشكل أساسي، إضافة إلى كل الحبوب الأخرى. غير أن ما يميزه هو كونُ الأسعار متقلبة ومن الصعب جداً توقع ارتفاعها أو انخفاضها بشكل جيد لأنها تعتمد على حالة الطقس التي لا يمكن التحكم بها.
5. السلع الخفيفة
يشمل هذا التصنيف السلع مثل القطن، الخشب والسّكر. يمكن أن يشمل سلعاً أخرى أيضاً مثل الطماطم وعصير البرتقال. وكما هو الحال مع سوق الحبوب، تتغير أسعار هذه المواد الخفيفة بشكل كبير ويصعب توقعها لارتباطها بأحوال الطقس. وبالتالي من المفترض أن يطلب المستثمر الراغب في تداول هذه السلع نصائح من خبراء في المجال لتفادي أخطار الخسارة.

ما هو الأصل التاريخي لهذه التصنيفات؟

إذا رغبنا في تقديم الجواب بطريقة بسيطة للغاية سنقول: بما أن هذه المواد أساسية اكتشف الإنسان قديماً اهميتها في العديد من المجالات الصناعات، وبما أن أصل كلّ مادة أو سلعة كما نسميها الآن، مختلف تماماً في الأصل عن السلعة الأخرى، وبعضها الآخر يشترك في نفس الأصل، فإنه كان من الضروري اللجوء إلى عملية تنظيم لهذه المواد وفق أصناف تعتمد على أصلها بما أنها تشترك فيه غالباً. كما أن هناك ما تم تصنيفها على أساس المواد التي تدخل في تركيبها وتتشابه مع سلع أخرى. وإذا افترضنا أن مستثمراً ما قام بشراء أنواع مختلفة من هذه السلع، فسيظهر لنا بوضوح أن محفظته ستتكون من أنواع كثيرة ولتسهيل إدارته لمحفظة ممتلكاته في السوق وحسابه للمخاطر وتوقعه للأسعار يجب عليه وضع تصنيفات لتجنب الفوضى التي قد تلحق به.

أحيانا قد يبدو من الصعب تصنيف بعض السلع، ولهذا سنتحدث الآن عن التصنيف الرّسمي الذي يعتمد على ما تم تحديده في العقد كتصنيف للسلعة. مثلاً، نعلم جيداً وبوضوح أن القمح يدخل في تصنيف المواد الزراعية. وأن البترول يدخل في تصنيف الطاقة. ولكن ماذا عن الإيثانول؟
يستعمل الإيثانول كنوع من الطاقة، فهل سنصنفه كطاقة؟ ومن جانب آخر، يتم إنتاج الإيثانول مباشرة من الذرة، فهل سنصنفه في مواد الزراعية؟ يشترك الإيثانول في نفس مقدار الخطر الممكن أثناء توقع الأسعار وتبادله في السوق لنفس الأسباب التي ذكرناها وتتعلق بحالة الطقس في حالة المواد الزراعية، كما يشترك في نفس مقدار الخطر مع المواد الطاقية بسبب التغيرات الجيوسياسية.

لكي يتضح تعقيد مسألة التصنيفات سنطرح سؤالاً آخر يشبه هذا الذي نحاول الإجابة عنه الآن: من الذي حدّد أول مرة تصنيفات قطاعات الاقتصاد؟
أتت الحكومة الأمريكية في الثلاثينيات بتصنيف صناعي موحّد يطلق عليه Standard Industrial Classification لأجل حلّ المشاكل التي كان يعاني منها الاقتصاد في زمن الكساد الاقتصادي الشهير، وفي هذه الفترة كانت فكرة قياس النشاط الاقتصادي لا تزال في بداياتها.

غير أن هذا النظام الموحّد لم يكن قابلاً للصمود أمام اقتصاد متغير، كان يسمح فقط بتصنيف اقتصاد بطيء النمو، كما أنه يشمل الكثير من التصنيفات المختلفة. مباشرة بعد بداية الثورة الصناعية (تقريباً مع منتصف وأواخر الثمانينيات)، تغيّر مفهوم الصناعة بشكل كبير وكانت نتيجة هذا التغيير ظهور نظام تصنيف جديد يدعى “نظام التصنيف الصناعي في أمريكا الشمالية” أو North American Industrial Classification System والذي طورته الولايات المتحدة الأمريكية مع كندا ومكسيكو وتم العمل به سنة 1997 و 1998.

كان الهدف من هذين النظامين مساعدة الدولة والشركات على الحصول على احصائيات دقيقة تساعد في عملية اتخاذ القرارات على المدى البعيد. ثم بعد ذلك أتى نظام جديد يدعى “نظام التصنيف الصناعي العالمي”، كما ظهرت تصنيفات أخرى خاصة مثل Industrial Classification Benchmark من طرف “دو جونز” ومجموعة FTSE. وكان الهدف من هذه التصنيفات الخاصة المساعدة على تحديد مكونات المحفظة المالية وتقييم المخاطر.
ثم اخيرا هناك “نظام التصنيف الصناعي الدولي” International Standard Industrial Classification الذي أسسه قسم الاحصائيات في الأمم المتحدة.

بعد هذه النظرة التاريخية يمكننا أن نستخلص الجواب على السؤال: من الذي قام بتصنيف المواد والسلع على الأساس الذي نعرفه الآن؟
والذي هو:

1. الحكومات التي أسست التصنيف أوّلاً لتسهيل عملية جمع المعلومات الاحصائية عن الاقتصاد.
2. المؤسسات المالية التي أسست هذا التصنيف بهدف بناء محافظ مالية أكثر جدوى وأهمية، وهذا عن طريق تصنيف الشركات في قطاعات تشترك في نفس مقدار الخطر المتوقع.
3. المنظمات فوق القومية التي قامت ببناء التصنيف بهدف تسهيل المقارنات بين الدول من الناحية الاقتصادية بما في ذلك من سلع ومواد وإنتاج عموماً.

نفهم إذن من كل هذا أن النظام التصنيفي يختلف حسب الغاية التي نرجوها منه. وإذا رغبنا في العودة إلى سؤال تصنيف الإيثانول، يجب أن نفهم أوّلا من أي زاوية ننظر إليه حتى نعرف كيف نصنّفه. علماً أن مجموعة CME Group الأمريكية تصنف الإيثانول في قائمة الطاقة تحت قسم فرعي يدعى “الوقود الحيوي”.



اترك تعليقاً