حقيقتين لا تعرفهما عن آدم سميث

“آدم سميث” هو أحد هؤلاء الكتاب في مجال الفكر الاقتصادي الذين أسيء فهم أعمالهم بشكل كبير. منذ أكثر من قرن تمّ تلخيص أعماله في بعض الأفكار القصيرة والغريبة عن شخص درس فكر “آدم سميث” وأعماله الكاملة بشكل دقيق ومفصّل.
معظم تلك الأفكار أصبحت تستعمل كشعارات إعلانية تمّ تجريدها من سياقاتها الاقتصادية الحقيقية التي كُتبت فيها.
هذا هو بالضبط ما حدث مع نظرية “اليد الخفية” التي أصبحت تستعمل في كلّ مكان لأجل إستعراض وإثبات فوائد اقتصاد السوق.
لمن لا يعرف معنى “اليد الخفية” فهي استعارة استعملها سميث لأجل القول بأنه ليس على الحكومة التدخل في الاقتصاد، بل يجب عليها ترك الحرية للفاعلين الاقتصاديين في السوق لأجل إتمام مبادلاتهم التجارية بشكل حر. وبالتالي فإن السوق هي ما سيقوم بإحداث التوازن لاحقاً بسبب العرض والطلب.
في عالم الاقتصاد والأعمال لكل طرف مصلحته الخاصة، وهو يتحرك ويتخذ قرارات وفق هذه المصلحة الشخصية بهدف رفع ثرواته وتحسين نمط حياته، ولكن البحث عن مصلحته الشخصية تفيد في الغالب أشخاصاً آخرين وبالتالي تكون هي نفسها مصلحتهم أيضاً.
على سبيل المثال: لنفترض أن لديّ محلاّ لبيع الخبز والحلويات، ولدي كميات كبيرة هذه الأيام أريد التخلص منها، وبالتالي سأقوم بتخفيض الثمن، ومقارنة مع أسعار المحلات الأخرى سيختار المشتري محلّي، وبالتالي لن أخسر لأن عدد المشترين سوف يرتفع وبرغم السعر المنخفض سأستطيع تعويض مبلغ التخفيضات بمبيعات قادمة للمشترين الجدد.
هنا تم تخفيض السعر لمصلحة المحلّ، وليس لمصلحة المشتري، ولكن الأمر يخدم مصلحته هو أيضاً.
الغريب في مسألة نظرية “اليد الخفية” أن “آدم سميث” نفسه لم يستعمل هذه العبارة إلاّ 3 مرات في مجموع أعماله التي تتحدث عن نظرية المشاعر الأخلاقية، عن أصل اللغة، عن طبيعة وأسباب ثروة الأمم.
وبالتالي يستغرب البعض من كون عبارة كهذه، مذكورة بشكل نادر جداً قد تم إلصاقها دوماً بفكر الرّجل الذي هو مفكر اقتصادي معروف على الصعيد العالمي. وكيف تم اختصار كلّ اعماله القيمة في عبارة واحدة هي “اليد الخفية” وكأنه لم يتحدث عن أي شيء سواها.
إذا كانت “اليد الخفية” تلخّص دون أمانة جميع أفكار آدم سميث فإن تأويلاً آخر لها قد يكون أكثر أهمية. اليد الخفية كما تم الترويج لها في القرن الأخير تعني بأن صراع المصالح الشخصية بين الأفراد في السوق تؤدي بشكل حتمي إلى بناء مصالح جديدة تنفع جميع الأطراف وتفيد المصلجة العامة.
هذا التأويل يجعلنا نفكر مباشرة في كون الإنسان كائناً أنانياً بطبيعته. إذا كان يلهث وراء المصالح الشخصية فقط ثم ينتظر نشوء المصلحة العامة بشكل حرّ عن طريق العرض والطلب، فهل فعلاً هذا ما كان يقصده سميث؟
هذا التأويل خاطئ لأن سميث في جميع أعماله لم يعتبر يوماً الانسان كائناً انانياً. على العكس من ذلك فقد أسس سميث إلى نظام فلسفة أخلاقية يركز على أن الإنسان كائن متعاون ومتعاطف.
الحقيقة الثانية هي أن الحرية في نظر آدم سميث لم تكن هدفاً في حد ذاتها بل كانت مجرد وسيلة تساعد على تحقيق المصلحة العامة.
وبالتالي فحتى مسألة حرية الأسواق التي تروج أفكار بأن سميث كان أكثر الداعمين لها قد يبدو من الضروري أنها تحتاج لإعادة النظر.
لا يمكن فهم أفكار سميث إلا بالعودة إلى جميع مؤلفاته وتفاصيلها، والقيام بقراءة تاريخية لها لأجل فهم الظروف والسياقات التي سمحت بتشكّلها. أما قراءة سميث قراءة سطحية فلن تؤدي إلاّ المزيد من سوء الفهم.



اترك تعليقاً